حين صار البيت نارًا

 

حين صار البيت نارًا

"قصة قصيرة"

بقلم:

محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com



كان الليل قد بدأ يهبط بهدوء على القرية، حين انقطع ذلك الهدوء فجأة بصوت انفجار هزّ البيت الصغير القريب من محطة السكة الحديد.

لم تفهم فاطمة في اللحظة الأولى ما حدث.

كانت جالسة في مكانها، عاجزة عن الحركة، بينما راحت ألسنة النار تتسلل من ناحية المطبخ، ثم تتسع بسرعة مخيفة.

صرخت:

شروق!

جاء صوت ابنتها من الخارج، ثم ظهرت عند الباب وهي تلهث.

توقفت للحظة.

كان البيت الذي عاشت فيه سنوات عمرها قد تحول في دقائق إلى كتلة من اللهب والدخان.

قالت الأم بصوت مرتجف:

الحقيني يا بنتي... أنا مش قادرة أخرج.

لم تفكر شروق.

لم تسأل عن النار، ولا عن الطريق، ولا عن احتمال النجاة.

اتجهت إلى أمها.

أمسكت بيدها، وحاولت أن ترفعها من مكانها، بينما كان الدخان يملأ الغرفة شيئًا فشيئًا.

يلا يا أمي... لازم نخرج.

قالت الأم:

سيبيني يا شروق... اهربي إنتِ.

هزت الفتاة رأسها بعنف.

أسيبك؟! مستحيل.

كانت النار تقترب.

وسقط شيء مشتعل من السقف المصنوع من جريد النخيل، فازدادت ألسنة اللهب ارتفاعًا.

شدت شروق أمها بكل قوتها.

خطوة...

ثم خطوة أخرى.

لكن الأم لم تكن قادرة على الحركة.

عادت شروق تحاول حملها.

في الخارج، كان الأب بعيدًا عن المنزل، ولم يكن أحد يعرف ماذا يحدث في الداخل.

صرخت شروق:

يا رب!

وفي اللحظة نفسها، صدر صوت مخيف.

تصدع السقف.

رفعت شروق عينيها إلى أعلى.

لم يكن أمامها سوى لحظات.

احتضنت أمها بكل ما استطاعت من قوة، وكأن جسدها الصغير يمكن أن يصبح جدارًا يحميها.

ثم انهار السقف.

غاب الصوت.

وغابت شروق معه.

 

وصل الأهالي بعد دقائق، وكانت النيران قد التهمت أجزاء كبيرة من المنزل.

حاولوا الاقتراب، لكن الدخان والنيران كانا أقوى من كل محاولاتهم.

وحين تمكنوا من الوصول إلى الداخل، وجدوا الأم مصابة بحروق شديدة، بينما كانت ابنتها قد فارقت الحياة.

نُقلت الأم إلى المستشفى.

أما شروق، فخرجت من البيت للمرة الأخيرة.

لم تحمل معها شيئًا.

لا ثوبًا، ولا صورة، ولا متعلقات شخصية.

حملت فقط ذلك الشيء الذي لا يراه أحد...

قلب ابنة اختارت، في اللحظة التي أصبح فيها الموت أقرب من أي شيء، ألا تترك أمها وحدها.

وفي القرية، ظل البيت المحترق شاهدًا على ليلة لم يكن فيها الدخان وحده ما ملأ السماء.

كان هناك أيضًا سؤال ثقيل:

كيف يمكن لقلب أم أن يعيش بعد أن أصبحت ابنتها هي الثمن الذي دُفع لإنقاذها؟

لكن أحدًا لم يجد إجابة.

فبعض الحكايات لا تحتاج إلى إجابات...

يكفي أن تُروى.

يكفي أن يعرف الناس أن فتاة في الثانية والعشرين من عمرها، حين اشتعل البيت تحت قدميها، لم تبحث عن باب للنجاة لنفسها...

بل بحثت عن طريق تنقذ به أمها.

وكان ذلك الطريق، للأسف، هو طريقها الأخير.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمة أستاذ تكنولوجيا الألبان الدكتور مجدي إسماعيل في حفل ختام دورة تصنيع...

راكومين..غلة وجبة شهية لقتل الفئران