الفجوة بين أصداء الحروب وتساؤلات الثقافة: ما هو أثر الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران على الحركات الأدبية والثقافية في الخليج العربي عامة والإمارات العربية المتحدة خاصة؟

الفجوة بين أصداء الحروب وتساؤلات الثقافة:

ما هو أثر الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران على الحركات الأدبية والثقافية في الخليج العربي عامة والإمارات العربية المتحدة خاصة؟

بقلم

الأديب/ محمود سلامه الهايشه

كاتب وباحث مصري؛ elhaisha@gmail.com


 


لم تقتصر الصراعات والحروب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على الجانب السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط، بل تحولت إلى هزات فكرية وثقافية كان لها أثر بالغ على المجتمع، بما في ذلك المجتمع الأدبي والثقافي في الإمارات. فكل حرب كبيرة لا تُغير خرائط الهيمنة فحسب، بل تُغير أيضاً الخطاب اللغوي والمواضيع الفنية، وأولويات المثقفين وهوياتهم، ومخاوفهم، ومستقبلهم.

 

هذا ما حدث للحركة الأدبية الخليجية التي وجدت نفسها فجأة في سياق جديد تتداخل فيه السياسة بالأمن، والاقتصاد بالثقافة، والهوية الوطنية بالتحولات.

 

أولاً: ثقافة الخليج في ظل تحديات الجغرافيا السياسية

 

تقع دول الخليج العربي في منطقة استراتيجية بالغة الحساسية. هذا يعني أنه عند تصاعد التوتر مع إيران، تتأثر الحياة اليومية ووعي الناس في هذه البلدان بشكل مباشر في مجالات مثل الأمن البحري، والطاقة، والمخاطر الإقليمية، واحتمالية التصعيد.

 

وقد أدى ذلك إلى ظهور مشهد ثقافي جديد يتميز بالجوانب التالية:

         أصبحت المواضيع السياسية أكثر شيوعًا في الأدب.

         اكتسبت قضايا الهوية الوطنية والانتماء شعبية متزايدة.

         عادت أسئلة الأمن والخوف والمصير إلى الظهور في الأدب.

         نشأت حركة ثقافية جديدة تدعو إلى الاستقرار بدلًا من الفوضى.

         ازداد الوعي بطبيعة الحرب المدمرة وخسائرها البشرية.

 

أصبح كتّاب الخليج أكثر اهتمامًا بالسياسة مما كانوا عليه في السابق، إذ كان الأدب يركز في العصور السابقة على المواضيع الاجتماعية والرومانسية والتاريخية.

 

ثانيًا: الرواية الخليجية... من القصة المحلية إلى الشواغل الإقليمية

تُعد الرواية الخليجية من بين الأشكال الأدبية التي تأثرت بشكل كبير بالشواغل الإقليمية. في ضوء تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تناولت روايات الخليج بشكل متزايد قضايا من بينها:

         الخوف من الحرب.

         الطائفية.

         تأثير الإعلام السياسي على الأفراد.

         الاغتراب وفقدان الأمن في المدن الحديثة.

         عدم الاستقرار في المنطقة.

         علاقة المواطنين بالدولة والأمن.

 

تستخدم العديد من الروايات من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت والبحرين الاستعارات السياسية أو القصص الديستوبية للتعبير عن مخاوفها من انفجار إقليمي محتمل.

 

بل ذهب بعض الروائيين إلى حد تصوير الفرد الخليجي عالقًا بين عالمين:

1.     عالم الوفرة والتنمية والانفتاح.

2.     عالم انعدام الأمن والفوضى من حوله.

 

وقد وفرت هذه المفارقة مصدر إلهام غزير للكتاب الذين يركزون على هشاشة الاستقرار في سياق المنطقة المتغيرة.

 

ثالثًا: شعر الخليج وإحياء لغة القلق

يعود شعر الخليج، المعروف تاريخيًا بانشغاله بالحب والحكمة والهوية والحنين، من جديد في أوقات الصراع، مستخدمًا لغة القلق والتساؤلات الوجودية.

 

شعرٌ يُعبّر عن:

         مخاوف من المستقبل.

         الحرب كخرابٍ للبشرية لا للمكان.

         حالة من عدم اليقين.

         دعوات للسلام.

         ارتباطٌ بالأرض والهوية.

 

بل إن الخليج أصبح، في بعض القصائد التجريبية، رمزًا للضغط النفسي، إذ لم تعد مياهه ملاذًا للجمال والإلهام، بل تحولت إلى ساحة صراع بسبب لغة المضائق البحرية والتحديات العسكرية.

 

وعُرف عن بعض الشعراء ميلهم للتأمل الحضاري، وتساءلوا:

 

هل تستطيع الحضارة الحديثة حماية الروح الإنسانية من الخوف؟

 

رابعًا: الإمارات العربية المتحدة... الثقافة في خضم العولمة والمشاكل الإقليمية

 

أما بالنسبة للإمارات، فقد كان التأثير عليها مختلفًا، فهي دولة ذات توجه عالمي في تعاملاتها، وتسعى جاهدةً لتقديم نفسها كمصدر للاستقرار والثقافة والاستثمار والتسامح.

 

لهذا السبب، تعامل المجال الثقافي الإماراتي مع هذه الجوانب المتضاربة بطريقتين متزامنتين:

 

أولاً: تعزيز خطاب الاستقرار والتسامح

 

أولت المؤسسة الثقافية الإماراتية اهتماماً متزايداً لما يلي:

         الحوار الحضاري

         التعايش السلمي

         التسامح الديني

         مكافحة التطرف

         الدور الثقافي في مكافحة الكراهية

 

وبذلك سعت ضمنياً إلى الحفاظ على صورتها كملاذ آمن رغم الاضطرابات المحيطة بها.

 

 

ثانيا: ظهور أدب القلق الحضاري

 

بينما كانت الروايات الرسمية متفائلة في معظمها، عبّرت بعض الأعمال الأدبية والفنية الإماراتية عن:

         الخوف من صراع عسكري واسع النطاق

         هشاشة الاقتصاد العالمي

         تأثير الحروب على المدنيين

         القلق إزاء التغيرات السريعة التي تشهدها المنطقة

 

بدلاً من التعبير عن آرائهم بشكل مباشر، اعتمد بعض الكتّاب الإماراتيين على الرمزية، مما أدى إلى ظهور مدن خيالية، وشخصيات منعزلة، وأحداث تُشير إلى تهديد خفي يُخيّم على المجتمع.

 

خامساً: الأدب الديستوبي والأدب السياسي يكتسبان زخماً

 

من أبرز نتائج الحروب والتوترات في منطقة الخليج ظهور اتجاه أدبي يتخيل مستقبلاً مضطرباً، تهيمن عليه الأزمات المتواصلة.

 

وقد تطور الأدب الديستوبي بسرعة في ضوء:

         التوترات العسكرية

         الصراعات الإقليمية

         المخاوف بشأن الاقتصاد العالمي

         التقدم التكنولوجي السريع

         القلق بشأن الذكاء الاصطناعي والأمن

 

يميل كتّاب الخليج بشكل متزايد إلى تصوير سيناريوهات:

         مدن تخضع لمراقبة كاملة بكاميرات المراقبة

         مجتمعات تعيش في خوف دائم من الحرب

         اقتصادات تنهار فجأة

         أزمة هوية تبرز في المجتمعات الحديثة

 

يُظهر هذا تحولاً في أدب الخليج من توثيق الواقع إلى التفكير في المستقبل.

 

سادساً: أثر الحرب على الفنون والسينما والمسرح

 

لم يقتصر تأثير الحرب على الفنون الأدبية فحسب، بل شمل أيضاً:

         المسرح

         سينما الخليج

         الفنون البصرية

         المعارض الفنية

 

وقد أُبدعت أعمال فنية تتناول:

         صورة الإنسانية تحت التهديد.

         الخوف الجماعي.

         العلاقة بين التكنولوجيا والحرب.

         الصدمة النفسية الناتجة عن الحروب والصراعات عبر وسائل الإعلام.

 

في الإمارات العربية المتحدة، يتجه بعض الفنانين البصريين نحو صور بصرية مثل:

         البحر الهائج.

         المدن الزجاجية.

         الأقنعة.

         الطيور المهاجرة.

         الصحراء كمصدر للروحانية.

 

وتتجه سينما الخليج المستقلة نحو استكشاف القضايا السياسية والوجودية والمتعلقة بالهوية.

 

سابعًا: المثقف الخليجي: بين الحرية والحذر

 

أدت المعضلات الناجمة عن هذه القضايا إلى معضلة أخرى أمام المثقف الخليجي:

 

كيف يمكن التعبير عن المخاوف والهموم السياسية دون المساس بالاعتبارات الأمنية أو التوجهات الإقليمية القائمة؟

 

لذا، لجأ معظم الكتّاب إلى:

         اللغة الرمزية.

         الاستعارة التاريخية.

         الكتابات الفلسفية.

         الروايات السياسية.

         الرموز الثقافية.

 

بدلًا من التركيز على قضية الحرب نفسها، تتناول القصة الآن مدينة محاصرة، أو شعبًا يعيش في خوف دائم، أو أناسًا فقدوا إحساسهم بالأمان.

 

ثامناً: الثقافة كوسيلة لمقاومة الخوف

 

على الرغم من كل القوى السلبية التي أحاطت بها، فقد دفعت هذه الحقبة ثقافة الخليج إلى النضج من خلال طرح قضايا هامة تتعلق بما يلي:

         ما معنى الوطن؟

         ما أهمية فكرة السلام؟

         ما علاقة السلطة بالثقافة؟

         ما دور المثقف في أوقات الأزمات؟

         أهمية الفن في مواجهة الخوف الجماعي.

 

كما شجعت هذه الحقبة بعض الكيانات الثقافية الخليجية على تبني ما يلي:

         الحوار الفكري.

         الترجمة.

         التبادل الثقافي.

         الفنون العالمية.

 

يبدو أن الثقافة قد تحولت إلى نوع من آليات الدفاع في مواجهة بيئة إقليمية معادية.

 

الخلاصة

 

أظهرت هذه الورقة البحثية أن الحروب والعلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران قد بينت لنا أن الثقافة لا تنفصل عن السياسة، وأن أدب الخليج لا ينبغي اعتباره مجرد انعكاس لمحيطه المباشر، بل يمكن أن يكون أيضاً ساحةً للنقاش حول القضايا الإقليمية الكبرى، بل وحتى التغيرات التي تشهدها الحضارة ككل.

 

وفي حالة الإمارات العربية المتحدة تحديداً، نشأ توازن دقيق بين الحفاظ على مظهر الاستقرار والانفتاح من جهة، ونقل الرؤية الفنية لشواغل العصر الحديث لشخص يعيش في عالم دائم التغير من جهة أخرى.

 

وقد أدت كل هذه العمليات إلى تغيير لغة أدب الخليج نفسه، فجعلته أكثر عمقاً من الناحية النفسية والسياسية والفلسفية.

==========.

·        محمود سلامه الهايشه: ما هو أثر الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران على الحركات الأدبية والثقافية في الخليج العربي عامة والإمارات العربية المتحدة خاصة؟، الحوار المتمدن، العدد (8783)، الجمعة 31 يوليو 2026: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=928616

  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمة أستاذ تكنولوجيا الألبان الدكتور مجدي إسماعيل في حفل ختام دورة تصنيع...

راكومين..غلة وجبة شهية لقتل الفئران