الأم الريفية بين الصبر والفقد: قراءة في قصيدة عبد الناصر الجوهري
الأم الريفية بين الصبر والفقد: قراءة في قصيدة عبد الناصر الجوهري
بين الأمومة والفقد: قراءة في قصيدة
"ريفيةٌ احتسبت وديعتها" لعبد الناصر الجوهري
بقلم
الأديب/ محمود سلامه
الهايشه
كاتب
وباحث مصري؛ elhaisha@gmail.com
في
قصيدته "ريفيةٌ احتسبت وديعتها" المنشورة بالملحق الأدبي لجريدة أوروك
(عدد 135 – 2 أيلول/سبتمبر 2025)، يقدّم الشاعر المصري عبد الناصر الجوهري
نصّاً شعرياً عميقاً يتخذ من الريفية الأم نموذجاً للقدرة على التحمّل، والرضا
بالقضاء، رغم مرارة الفقد، وصعوبة الانكسار الإنساني أمام الموت.
منذ
مطلع النص، يعتمد الشاعر أسلوب التكرار بـ "لم تعشِ" ليؤسس لنغمة رثائية
تُحيل القارئ إلى عالم ناقص، يفتقد ملامح الحياة والفرح. الأم الريفية هنا لم تعش
لترى مظاهر الجمال في الطبيعة أو مظاهر البهجة في الحياة؛ وكأنها قد اختُصرت تجربتها
في الفقد والصبر. هذا التكرار يخلق إيقاعاً حزيناً، متصاعداً، يوحي بفراغ داخلي
يتسع مع كل سطر.
تتحول
القصيدة بعد ذلك من سرد مشاهد النقصان إلى تصوير لحظة الفقد الكبرى: رحيل الابن.
يوظف الشاعر لغة دينية – روحية، حيث تُستدعى صورة الملائكة، و"الودائع"
التي تُحتسب عند الله، في تماهٍ مع ثقافة الريف المصري المتشبعة بالإيمان والتسليم
بالقدر. وهنا تتجلّى المفارقة المأساوية: الأم التي لم تذق من الحياة سوى الشقاء،
لم يُتح لها أن تعيش لحظة الفرح بثمرتها، إذ تُنتزع منها الوديعة سريعاً.
يلجأ
الجوهري إلى بناء صور شعرية متوترة، بين واقعية الريف (الحقول، الحصاد، الفرس،
الحقول) ورمزية الموت (الملائكة، الجراح، الظلال). هذا المزج بين المشهد الأرضي
والبعد السماوي يمنح القصيدة طابعاً ثنائيّ البنية: فهي من جهة توثيق لمعاناة
إنسانية واقعية، ومن جهة أخرى تسليم روحاني يخفف من حدة الفاجعة.
كما
نلمح البعد التراجيدي في تضاد الثنائيات: الحياة/الموت، الزرع/الحصاد،
الضوء/الظلال. كل ثنائية تعمل على إبراز مأساة الريفية التي احتسبت وديعتها
"فوق احتمالي"، كما يختم النص، ليضعنا أمام قمة الانكسار الإنساني حين
تتجاوز التجربة حدود الطاقة البشرية.
إن
قصيدة "ريفيةٌ احتسبت وديعتها" ليست مجرد رثاء لأم فقدت ولدها، بل هي
مرآة لثقافة شعبية كاملة، تُجسّد صورة المرأة الريفية بوصفها
"الأم/الأرض" التي تحتمل الجراح وتقاوم بالصبر والإيمان، لكنها تبقى
محكومة بقدر يتجاوز إرادتها. النص بذلك يجمع بين صدق التجربة الإنسانية وعمق
البنية الفنية، مما يجعله نصّاً متفرّداً في تجسيد مأساة الأمومة والفقد في ثوب
شعري حديث.
تعليقات
إرسال تعليق