الإبداع في صمت السؤال: قراءة نقدية في قصة علي الراعي «لا سؤال ولا جواب»

 

الإبداع في صمت السؤال: قراءة نقدية في قصة علي الراعي «لا سؤال ولا جواب»

بقلم

الأديب/ محمود سلامه الهايشه

كاتب وباحث مصري؛ elhaisha@gmail.com

 


1. مقدمة

نشرت القصة في عدد مجلة الشارقة الثقافية (105، يوليو 2025)، وتأتي بعنوان اقتضى مفارقة جذَّابة: «لا سؤال ولا جواب». تبدو باكورة سردية علي الراعي في هذه القصة بمثابة تأمُّلٍ في صيرورة الحِكْمة الموسيقية ومعناةُ الإبداع في مواجهة رتابة القوالب الجاهزة. يعتمد الراعي على الأرشيف الصوتي (آلة التسجيل «الصفيح») كرمزٍ للانتقال التكنولوجي، وميدانا تتحرك فيه التقاليد الشعبية بين «السنديان والبلوط».

 

2. الثيمات الرئيسة 

- التقنية والتراث 

  يستحضر الراوي تجربة أول استخدامٍ لآلة التسجيل الناعمة («الصفيح») في الأرياف، حيث الخشخشةُ الخافتة تقطع هدوء الطبيعة، فتؤرخ لتحول أساسيّ في توثيق الأغاني الشعبية وتداولها.

 

- الإبداع في مواجهة القيود 

  تتكرر المقاطع عند ارتجال الشاعر (أو المغني)، ويتمُّ تكرار الشطر الثاني والثالث قراءةً بكلمة «كلمة!» كنوعٍ من التنبيه لالتزام الإيقاع. إنَّ هذه الصرخة اللاشعرية تكشف عن توتر المبدع وهو يُقاتل رتابة القوالب (الموال، العتابا).

 

- الصمت كخيار جمالي 

  عنوان القصة، «لا سؤال ولا جواب»، يرمز إلى إمكانية الخروج من دائرة السؤال والإجابة التقليدية ــــ فحين تذهب الكلمات عالةً على التكرار، يصبح الصمت هو حينئذٍ الجواب الأبلغ.

 

3. الأسلوب السردي والبلاغي 

- الضمير المفرد الغائب: الراوي يصف العملية الإبداعية من زاويةٍ شخصية، فيضفي على المشهد توتراً نفسياً متصاعداً كلما اقترب موعد «الضبط» الصوتي. 

- الإيقاع البنائي: بنية القصة مبنية على تكرار لحظات الترقب (مزج لزمن أمسية اليوم التالي مع حدة الأعصاب)، ما يعكس إيقاع الإلقاء والشكل الموسيقي نفسه. 

- الصور المجازية: تشبيه الأعصاب المشدودة بأوتار مشدودة، والآلة الناعمة بالشجرة المعمَّرة، كلها تعزز الصلة بين المبدع والطبيعة والتقنية.

 

4. الدلالة الثقافية والاجتماعية 

- تسجيل الذاكرة الشعبية: القصة تؤرخ لمرحلة انتقالية في المجتمعات الريفية، حيث بدأت الأغاني تنفلت من النقل الشفهي إلى الأرشفة التقنية. 

- التوتر بين الجماعي والفردي: بينما كانت المناجاة والغناء جماعياً حول النار، بات المضبوط صوتياً عملاً فردياً يعيد إنتاج التراث بيدٍ واحدة. 

- نقد الصيغ الجاهزة: بالإبقاء على خيار الصمت، يشير الراعي إلى ضرورة كسر قوالب الإبداع الثابتة وإعادة التفكير في علاقة الشاعر أو المغنِّي بجمهورٍ لم يعد متعطشاً للسؤال المتكرر.

 

5. خاتمة 

تقترح قصة «لا سؤال ولا جواب» رؤية جديدة للإبداع الشعبي في عصر الآلة، حيث يلتقي القديم بالحديث، والصمت بالجموح اللحنّي. ينجح علي الراعي في ترميز عملية الارتجال الموسيقي إلى رحلة نفسية تغوص في عمق التوتر بين السؤال والإجابة، فتترك للمبدع خير سياسة: الصمت حين يئنُّ الكلام تحت وطأة التكرار. 

 

ملخص النقاط الرئيسية 

- الحوار بين التقنية والتراث عبر آلة التسجيل 

- التوتر النفسي للإبداع ضمن قيود الأشكال الجاهزة 

- الصمت كخيار جمالي وفلسفي في مواجهة رتابة السؤال والإجابة.

========.

#محمود_سلامه_الهايشه : الإبداع في صمت السؤال: قراءة نقدية في قصة علي الراعي «لا سؤال ولا جواب»، #الحوار_المتمدن ، العدد (8845)، الخميس 1 أكتوبر 2026. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=937190

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

راكومين..غلة وجبة شهية لقتل الفئران

د.خالد أيمن نور: دكتوراه جراحة العظام والمفاصل