"الارتطام بجدار الجليد"… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس وجودي

 "الارتطام بجدار الجليد"... ماذا يحدث عندما يتحول حلم العدالة إلى كابوس وجودي؟

"الارتطام بجدار الجليد"… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس وجودي

 بقلم:

محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com



تُعدّ القصة القصيرة "الارتطام بجدار الجليد" للكاتبة العراقية "سعاد حسين الراعي" نصًا أدبيًا زاخرًا بالغموض الأخلاقي، وغنيًا بالرموز السياسية والإنسانية. فهي تتجاوز كونها مجرد حكاية عن الصدام بين الفقراء والسلطة، لتأخذ القارئ بعيدًا عن السطحية، وتناقش معاني أعمق لمفاهيم كالعدالة، وهشاشة الإنسان أمام قوى السياسة، والحقيقة في ظل قوانين صارمة، وخوف، وخيانة.

 

من العنوان وحده، تُقدّم لنا الكاتبة استعارة بالغة الدلالة. "الارتطام بجدار الجليد" ليس مجرد حادث اجتماعي أو نفسي، بل هو صراع بين الروح الإنسانية ونظام قاسٍ عديم الرحمة. هنا، لا تقتصر الجدران على كونها جدرانًا خرسانية فحسب، بل ترمز إلى جدار القانون الجامد، وجدار السلطة الذي تحول إلى آلة صماء، وجدار الخوف الذي يتسلل تدريجيًا إلى البيوت "كزحف الخنافس". تبدأ القصة في قاعة المحكمة، وهي بيئة شديدة الظلام والرمزية، تصفها الكاتبة على النحو التالي:

 

"كان الهواء هذه المرة أكثر ثقلاً، والرخام تحت أقدامهم بدا أكثر قسوة وبرودة". هذا الوصف ليس مجرد وصف، بل يخلق عالمًا يفتقر إلى أي شكل من أشكال الدفء الإنساني منذ البداية. قاعة المحكمة ليست مكان العدالة، بل هي المكان الذي تفشل فيه المؤسسات. وبالتالي، فإن القاضي نفسه ليس إنسانًا يُقيم العدل، بل مجرد "قناع بيروقراطي".

 

وبذلك، تنجح الكاتبة في خلق شعور بصدمة نفسية جماعية، حيث سقطت الكلمات على الناس "كصخور مدببة تهوي من شاهق" أي كـ"حجارة حادة تتساقط من مكان عالٍ جدًا"، معبرة عن فكرة العنف الرمزي للنظام القانوني إذا ما انحاز إلى الجانب الخاطئ.

 

من أكثر جوانب النص إثارةً للاهتمام صورة الطفلة "ياسمين"، التي تجسد الحقيقة المطلقة النقية. فالطفلة، التي شهدت الخطر، تواجه سلطة بالغة لا تعترف بحقها في الكلام، متذرعةً بـ"عدم الأهلية القانونية". بعبارة أخرى، تطرح الكاتبة سؤالاً بالغ الأهمية: هل يمكن اعتبار حقيقة الطفلة أقل قيمة من الحقيقة بشكل عام؟

 

لا تدافع الكاتبة عن الطفولة فحسب، بل تدافع أيضًا عن البالغين العاديين من تعقيدات النظام العالمي الحديث، فتبقى ياسمين ضمير الراوي الخفي، بينما يصبح البالغون كائناتٍ عالقةً في فخ المخاوف والقوانين والمصالح.

 

ويُبرز البُعد الاجتماعي والثقافي للقصة من خلال تصوير الحي "المحلة" ككائن حيّ جماعي، لا مجرد مساكن. في هذا السياق، تتجلى العلاقة بين قطعة الأرض والهوية والذكريات والكرامة. ولهذا السبب، يُنظر إلى نضال السكان على أنه معركة للدفاع عن حقوقهم الوجودية لا مجرد مساكن.

 

وتنتقل حبكة القصة من الهزيمة إلى الوحدة الجماعية، وتحديدًا من خلال وصول "أبو أحمد"، الذي تُمثل شخصيته نموذجًا إنسانيًا لشخصٍ استطاع أن يُحيي ضميره بعد إغراء السلطة والمال. ولا يُصوَّر اعتراف هذه الشخصية كحدثٍ دراميٍّ بسيط، بل كعملية تطهيرٍ أخلاقيٍّ تُعيد التماسك الاجتماعي. تجدر الإشارة إلى أن أفظع أعمال السلطة الفاسدة هو تدمير التماسك الاجتماعي، لا مجرد الاستيلاء على الأراضي.

 

على الصعيد اللغوي، يمكن وصف النص بأنه أقرب إلى الشعر المؤثر. فالجمل غنية بقوة الإيقاع والصور والاستعارات، حتى أن البلاط يبدو أحيانًا كمكان للعبادة، والصمت كمعبد مقدس، والفرح ككائن حي يخرج من غفلة. يضفي الأسلوب الأدبي الرفيع طابعًا ملحميًا على النص، إلا أنه في بعض الأحيان يكاد يكون طاغيًا لشدة تأثيره، ولأن الكاتبة تفضل التركيز على المشاعر على حساب الإيجاز.

 

ومع ذلك، فإن براعة الكاتبة اللغوية تلائم غاية النص، التي تتمحور حول المواجهة بين قسوة الواقع والعاطفة.

 

يبلغ العمل ذروة فنية وفكرية مع الخاتمة المفاجئة، حيث يتضح أن النصر قد يكون حلمًا أو كابوسًا، أو كليهما معًا. يُضفي الانتقال المفاجئ من الانتصار والسعادة إلى صحوةٍ مُربكة بُعدًا فلسفيًا على النص يتجاوز الحدث نفسه. لم يعد السؤال المطروح هو الخنافس، أو الشركة، أو حتى المحكمة، بل الدول نفسها، التي قد تبدو مستقرة ومزدهرة تمامًا بينما هي في الواقع تتلاشى ببطء وهدوء.

 

تكمن قوة القصة في هذه النهاية المفاجئة؛ فالكاتبة لا تُريد أن تُقدم للقارئ أي نوع من السلام أو اليقين، تاركه إياه يتساءل عما إذا كان يعيش واقعًا أم كوابيس أصبحت جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية.

 

إلى جانب كونها قصة تتناول قضية قانونية، تتناول قصة "الارتطام بجدار الجليد" أيضًا الصراع الدائم بين البشر والأنظمة التي لم تعد بشرية. تُسلط القصة الضوء على مدى هشاشة العدالة عندما تُجرّد من كل ضمير، وفي الوقت نفسه تُشيد بقدرة البشر على التكاتف وإسماع أصواتهم.

 

نجحت "سعاد حسين الراعي" في إنتاج نصٍّ قادر على مزج مشاعر الإنسان، والبعد السياسي للقصة، واللغة الشعرية. "الارتطام بجدار الجليد"، والمنشورة بـ موقع ديوان العرب – يوم الاثنين ٢٥ أيار (مايو) ٢٠٢٦، عملٌ أدبيٌّ يندرج ضمن فئة الأدب الذي لا يكتفي بوصف المعاناة، بل يطرح أيضاً تساؤلاتٍ جوهريةً في ذهن القارئ.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

راكومين..غلة وجبة شهية لقتل الفئران

د.خالد أيمن نور: دكتوراه جراحة العظام والمفاصل