حين يعجز القانون: جدلية الصمت والثأر في قصة "في قوقعة الصمت يطبخ الثأر"

 ü     عندما يفشل القانون: جدلية الصمت والانتقام في قصة "في قوقعة الصمت يطبخ الثأر"

ü     في قوقعة الصمت: حين يتحول الثأر إلى مرآة للعدالة المفقودة

ü     حين يعجز القانون: جدلية الصمت والثأر في قصة "في قوقعة الصمت يطبخ الثأر"

بقلم:

محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com



تقدم قصة الحسان عشاق الكاتب المغربي "في قوقعة الصمت، يطبخ الثأر" للقراء عملاً أدبياً زاخراً بالرموز. فإلى جانب الصراع الفردي بين جارين في ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، يكشف الكاتب عن تأمل عميق في الجدلية المعقدة بين القانون والعدالة، والصبر والانتقام، والقانون الرسمي وقانون الحياة عندما يعجز القانون عن أداء دوره.

 

في بداية السرد، ينجح الكاتب في بناء فضاء سردي مؤثر. لم تعد ساحة جامع الفنا مجرد خلفية للأحداث، بل أصبحت شخصية موازية تُشكّل حياة الناس. إنها عالم مصغر يجمع بين الحكمة والسحر، والظاهر والخداع، والتاريخ والحاضر، في صورة غريبة زاخرة بالتفاصيل. من الواضح أن الكاتب يتمتع بمعرفة عميقة بهذا المكان وطبيعته الشعبية.

 

تُعدّ شخصية فاطنة محورية في حبكة القصة. فهي ليست مجرد بائعة حلزون، بل مثالٌ على الإنسان المضطهد الذي يناضل من أجل حقه في البقاء في عالم قاسٍ. وباستخدام أسلوب التراكم، ينجح الكاتب في تصوير شخصية فاطنة؛ فقوتها لا تظهر فجأة، بل تتطور ببطء خلال معاناتها. وبهذا، يكتسب الحلزون أهمية في القصة؛ فهو حيوان ضعيف، ولكنه يمتلك قدرة مذهلة على التحمل والبقاء. وهذا يعني أن اختيار فاطنة لهذه المهنة لم يكن محض صدفة.

 

في المقابل، يُصوَّر الجار كرمزٍ لسلطة الغطرسة والتسلط. وفي الوقت نفسه، لا يُصوَّر الرجل كشخص شرير تمامًا، بل كتجسيدٍ للنموذج الاجتماعي القائم على غياب أي رادع. لا يُركز النص على دوافع الرجل في القصة، بل على آثار أفعاله.

 

تكمن أبرز نقاط قوة النص في الموقف النقدي الذي يتخذه الكاتب تجاه المؤسسات الرسمية. يُصوّر القانون في غيابه - موجودًا رسميًا، لكنه عاجز عمليًا. تلجأ فاطنة إلى الشرطة والمحكمة والبلدية، فلا تجد إلا الصمت والبيروقراطية. وبهذا، يطرح النص سؤالًا أخلاقيًا هامًا: ماذا يفعل المظلوم إذا أُغلقت أبواب العدالة في وجهه؟

 

تُعدّ هذه القضية جوهر القصة. فرغم أن الكاتب لا يحثّ القراء صراحةً على الانتقام، إلا أنه يُجبرهم على إدراك دوافع فاطنة. ولذا، تبدو الحبكة في منطقة رمادية أخلاقيًا، لأنها تمثل في آنٍ واحد نوعًا من الانتقام الذي قامت به فاطنة من جارها، ومحاولةً لإعادة التوازن. هكذا يُظهر الكاتب قدرته على عدم إصدار أحكام أخلاقية بنفسه.

 

فيما يتعلق بصورة خديجة، فإن دورها جوهري من الناحيتين الفنية والإنسانية. فهي تُصوَّر كشخصية هامشية، امرأة مُعنَّفة في خضم ظروف الحياة، ثم تتحول تدريجيًا إلى مشاركة فعّالة في عملية استعادة كرامتها. يكمن جمال هذه الشخصية في أنها لا تكتفي بالمشاركة في تنفيذ الحبكة، بل تُمنح أيضًا فرصة للخلاص وإعادة البناء. ونتيجة لذلك، يصبح الانتقام فرصةً للتسامح وبداية جديدة. من الناحية الفنية، يستخدم الكاتب لغةً ثرية وشاعرية، مُوظِّفًا الاستعارات والتشبيهات وغيرها من عناصر اللغة المجازية. ويتكرر هذا الأسلوب بكثرة، إذ تُشبه العديد من الأوصاف النثر الشعري أكثر من السرد التقليدي. ويمكن ملاحظة هذا النهج في سلسلة الصور البصرية المستخدمة لإضفاء حيوية على المكان والشخصيات والأحداث. في الوقت نفسه، يُعدّ هذا الثراء اللغوي أحد نقاط ضعف النص، لأنه يُبطئ وتيرة السرد.

 

علاوة على ذلك، لا يتردد الكاتب في التدخل لصالح أفعال فاطنة، مما يُخلّ نوعًا ما بالطابع المحايد للسرد. عمومًا، يميل النص إلى تبني وجهة نظر البطلة، مانحًا إياها التبرير الأخلاقي الكامل، ومُضيّقًا الخناق على دراسة تعقيد الموقف من زوايا نظر مختلفة.

 

مع ذلك، تتجاوز قيمة هذه القصة من مجرد حكاية وتطور الحبكة، إذ تنجح في تحويل السرد البسيط إلى تساؤل فلسفي عميق حول العدالة. فهل يكفي أن يكون الإنسان محقاً حتى يكون ما يفعله مشروعاً ومبرراً؟ وهل يمكن للثأر أن يصبح شكلاً من أشكال العدالة عندما تفشل المؤسسات في اتخاذ أي إجراء لحماية المظلوم؟؛ في نهاية القصة، لا تنتصر فاطنة انتصارًا ساحقًا، بل تُحقق نوعًا من التوازن، لكن جارها لا يُعاقب جسديًا بل نفسيًا. وبهذا، يختار الكاتب العقاب النفسي الذي يُعدّ أشدّ وطأةً من العقاب الجسدي، لأنه يُجبر المرء على إدراك حقيقة ذاته.

 

يمكن اعتبار قصة "في قوقعة الصمت، يطبخ الثأر" قصةً تنتمي إلى فئة القصص الاجتماعية الرمزية، إذ تجمع بنجاح بين الواقعية الشعبية وشعرية التأملات الأخلاقية. تُثير هذه القصة العديد من التساؤلات، حيث يُمثّل الصمت فيها بطلاً صامتاً تنمو فيه كلٌّ من الانتقام والتسامح. لذا، تُعدّ القصة دليلاً أدبياً على هشاشة النظام القضائي في غياب الحماية المؤسسية، وعلى قوة المظلومين.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

راكومين..غلة وجبة شهية لقتل الفئران

د.خالد أيمن نور: دكتوراه جراحة العظام والمفاصل