تجليات الحيرة في مواجهة الوجود: قراءة في قصيدة 'المونولوج الثاني' لرشا الفوال
"تجليات الحيرة في مواجهة الوجود: قراءة في قصيدة 'المونولوج الثاني' لرشا الفوال"
بقلم
الأديب/ محمود سلامه
الهايشه
كاتب
وباحث مصري؛ elhaisha@gmail.com
القصيدة
الشعرية "المونولوج الثاني" للشاعرة رشا الفوال هي قصيدة تعكس الجانب الغامض
للإنسان وحيرته في التعامل مع متطلبات الحياة. هناك نوع من اللغة الفلسفية التي يستخرج
منها تفاصيل مشاعر الإنسان وتقدم للمتلقي تجربة غنية بالرموز والدلائل الفلسفية، بحيث
يكون النص كأداة للتنقيب في العمق الباطني للإنسان. هنا تكمن أبرز جمالية قوة هذا الشعر،
حيث يعبر بشكل واضح عن الصراع المستمر وغير المرئي بين الأمل والحسرة، الوجود والتخطي.
والجدير
بالذكر أن قصيدة "مونولوج الثاني" للشاعرة رشا الفوال مأخوذة من ديوانها
"جايز تحزن.. من إرهاصات فرويد الأولى"، والصادر عن الهيئة المصرية
العامة للكتاب، الطبعة الأولي 2021،
ص16-17.
البناء الشعري والأسلوب:
استخدمت
الشاعرة المونولوج الداخلي الذي يكشف عن فوضى الذات من خلال أسئلتها التي تداخلت معانٍها
بين الصورة والرمز، حيث كان تقسيم القصيدة عبارة عن لقطات وصور متلاحقة، تركّز
أغلبها على فكرة العبور، مثل: "حد عابر/ قلبُه صابر
ع الطريق/ كالغريق ماسك في قُشّة"
تتحدث الصور عن عدم اليقين والارتباك حيث تشير العبارات
المستخدمة مثل "عابر" و"القافلة" و"صايع الطريق" إلى
الارتباك وعدم الاستقرار. وكذلك فإن الشخصيات الرئيسية الموجودة في النصوص، سواء كانت
شخصيات حقيقية أو مجازية، تظهر كرموز للشخصيات الضائعة والمشتاقة باستمرار إلى
الفهم.
الدلالات الرئيسية:
(1) معنى العبور:
يتم
تكرار مفهوم العبور، الذي يمكننا اكتشافه من خلال تعريف "حد عابر" و"حد
عابر وسط الهَم واقف لم يكل". العبور في هذه الحالة ليس فقط عبورًا بدنيًا، بل
هو أيضًا رمز لعملية الحياة نفسها، تشير فكرة "العبور" في النص إلى أن العبور
ليس عبوراً بحسيه فقط، ولكنه عبور رمزي يشير إلى الحياة التي هي رحلة مستمرة وليست
مغلقة. فالنهايات لا تظهر، والإجابات لا تُجيب عن الأسئلة الموجهة من الذات الضالة.
(2) ثنائية الحزن والخوف:
تبرز
مشاعر الحزن كواحدة من أهم المواضيع التي يتم تناولها، حيث تترافق مع حالة من التعقيد
المرتبطة بالخوف، وهذا الأمر يعتبر مؤشراً على التباعد بين الإنسان والعالم المحيط
به:
"لم تحن فـ يوم عليه
نظرة حزاني / أو تخفف عنه خَوف".
فشعور
الفرد يتمظهر في النص بالتعبير الباطني عن صراعه الدائم مع العواطف الثقيلة التي يريد
الفكاك منها، وغير قادر على تجاوزها. الحزن يعد أحد المواضيع الأساسية في هذا النص،
والذي يتبعه الشعور المعقد بالخوف، ليشكل بذلك شعور الإنسانية بالتجرد عن عالمها المحيط.
(3) الصدق والعشق:
تعتبر عبارات " حروف الصدق
" و" صروف العشق " مفاتيح فلسفية أكثر قرباً من تصور الحقيقة،
وذلك لأن الشاعرة تؤكد بشكل واضح على ضرورة مواجهة هذه المشاعر الداخلية كجزء من
تجربة إنسانية شاملة.
إيقاع القصيدة:
تميزت
القصيدة بالإيقاع الداخلي العميق الذي كان نتيجة للتكرار والاستمرارية في الصور. حيث
إن موسيقى الإيقاع الخارجي الذي يتم استخدامه في الشعر الموزون لم يكن حاضراً في هذه
القصيدة كعادة الشعر المنظم، إلا أنه تم إمكانية تحقيق هذا الإيقاع بواسطة اللغة واسترسال
الأفكار خلق تناغم خاص يوائم الحالة الشعورية التي تسيطر على النص.
الرمز والإشارة:
تتميز القصيدة بأنها تحتوي على رموز
كثيرة مفتوحة تتعدد إشاراتها، ومن هذه الرموز:
"يبقى عابر... وجهته
في الصبر هُوْ."
تُشير
هذه الجملة إلى قناعة الإنسان بالصبر كحل ضروري يضمن الخروج من محن الحياة، وأن الإنسان
يمكن أن يتغلب على الصعوبات الحياتية بأسلوب الصبر كطريقة مضمونة، مع الاعتراف بقضاء
الله وقدره في حال عدم وجود اليقين تماماً.
خاتمة:
وبالعودة
إلى القصيدة "المونولوج الثاني"، نجد أن القصيدة قد قدمت لنا شعراً فلسفياً
يعكس آلام الإنسان ذاته عند محاولة التوصل لمعرفة الواقع المحيط بها. وقد جسدتها الشاعرة
بمميزاتها الشعرية من خلال الأساليب الرمزية التي تميز القصيدة وغزارتها اللغوية التي
تعبر عن معاناة الخوض في الحزن والخوف، مع البحث المستمر عن معنى وقيم للحياة عبر
تجربة العبور، في محاولة فهم الكون الذي تتواجد فيه.

تعليقات
إرسال تعليق