البحث عن ذواتٍ متشظية في "المونولوج الأول" لرشا الفوال

 البحث عن ذواتٍ متشظية في "المونولوج الأول" لرشا الفوال

بقلم

الأديب/ محمود سلامه الهايشه

كاتب وباحث مصري؛ elhaisha@gmail.com

تسعى قصيدة "المونولوج الأول" لتحقيق التأمل الداخلي العميق الذي يشبه اعترافات الذات لأحد الأحداث الوجودية المكتوية بنيران القلق والألم. تتقدم الشاعرة رشا الفوال من خلال هذه القصيدة بحوار داخلي غني يتضمن صراع الإنسان مع نفسه، وهزائمه أمام العالم، وبُغضه عن السعي خلف المعنى في ظل تشتت الذات ومن حولها. تتناول القصيدة البُعد النفسي للذات البشرية من خلال اللغة البسيطة لكنها غنية بمحتواها النفسي والعاطفي. وهي من ديوان الشاعرة رشا الفوال "جايز تحزن من إرهاصات ̕فرويد الأولى"؛ والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولي 2021، ص13-15.


التحليل النقدي:

(1) الشكل والأسلوب:

يأتي الشعر على هيئة مونولوج داخلي للشاعرة، حيث تقوم بتوافق نفسها وتقدم أفكارها الخطرة والمترددة بصيغة سردية حرة، مما يجعل العمل شديد الصدق والشفافية. وجود جمل قصيرة ومتكررة مثل "بقيت أنصح... بقيت أوضح" يجعله يدل على الإيقاع الشخصي ويعكس الارتباك الذي تملي عليه نفسه الواقع الداخلي والخارجي.

من ناحية اللغة، يمكن وصف النص بالبساطة غير السطحي. يتميز الشعر باستخدام تكرار العبارات لتعميق مشاعر القصيدة الذي يُبرز إحساس الاختناق والضياع.


(2) الموضوع والصراع النفسي:

ويتعلق النص بوجود الذات، وهو يعانى من حالة من التمزق والتوتر الوجودي. يمكن استنتاج العناصر الآتية:

الحوار الداخلي للذات: فالشاعرة تقوم بتحليل تجربتها النفسية على أنها صراع بين رغبتها في فهم الحياة وخشيته من العالم الغامض. تظهر الشاعرة في الوصف أنها "بقيت مجنون ما بين عاقلين". ووجود تناقض بين الرغبة في السيطرة والاستحالة في إدراك "الشوق" أو "الموت" يعمّق الشعور بالقلق.

 

إشكالية التعبير والاستحالة: من الممكن رصد الاستحالة أو عدم القدرة على فهم شيء ما أو الكلام أو الاختيار في القصيدة، كما هو واضح في جملتها "بقيت أفصح ولو مخنوق" و"بقيت أمشير بزعابيبه"، وهذا يعني أن هناك أزمة هوية قائمة على الاستحالة في التعبير والاختيار.

 

(3) استعمال الرموز والصّور الشعريّة:

يحتوي النص على الكثير من الصور الأدبية التي تعزز العمق في حالة نفسية تتعرض لها الشاعرة. ومن الأمثلة عليها:

• "بقيت في الضل وانا ماشي": تصوّر صورة أدبية لشخص يشعر بالخوف والانكماش في عالم يفتقر إلى الأمان.
•  "رصيف منقوش مقسمني شمال ويمين" يرمز إلى تعدد الخيارات وحدوث الانشقاق الداخلي.

• "بقيت مفروش على الصفيح لعب أطفال" يعبر عن شعورها بالضعف والإهمال من قبل العالم حيال معاناتها الشخصية.

 

(4) عامل الزمن وجودًا (الزمن وجودياً):

في هذه القصيدة، يتم استخدام بعض مفردات الزمن في الوصف للتعبير عن آلام لا تتوقف، وأحاسيس الخوف من الغد (مثل "بقيت أعد وأعيد"). ويأتي هذه العامل متداخلًا بحالة الخوف الوجودية من المستقبل الغامض (غير المعلوم)، والممتزج مع أحداث الزمن الماضي المليء بالحرمان.

 

(5) خاتمة ومناجاة أخلاقية:

 

في ختام النص، يشعر الشخصية بحالة من الهدوء النسبي والمصالحة مع نفسها. هذه المصالحة هي حالة مليئة بالحزن والخوف. الجملة "عشان أحزن من الباقين" تعبر عن وعي الذات بضعف الإنسان وخضوعه للحزن كجزء من رحلته الإنسانية.


الخاتمة:

إن قصيدة "المونولوج الأول" ليست فقط عملًا شعريًا يعكس أحاسيس لحظية، وإنما هي رحلة في عمق النفس البشرية وهي تحاول النجاة والبحث عن المعنى في ظل حالة الفوضى التي تعيشها في حياتها وبين ضغوط المجتمع والنفسية. ومن خلال هذا النص، تعكس الشاعرة رشا الفوال موهبتها الشعرية في ترجمة الصراعات الشخصية إلى صور شعرية سهلة لكنها عاطفية، ما يجعل النص مرآة للذات في لحظة بحثها عن الخلاص.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

راكومين..غلة وجبة شهية لقتل الفئران

د.خالد أيمن نور: دكتوراه جراحة العظام والمفاصل