"احتراق السكر"... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل
"احتراق السكر"... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
في هذه القصة القصيرة جدًا، يطغى الإيجاز والإيحاء على
الحبكة، وينجحان في فتح آفاق واسعة من المعاني ببضع كلمات فقط. هذا ما يحدث
تحديدًا في قصة "احتراق السكر" للكاتبة الفلسطينية رانيا مرجية.
تُعدّ هذه القطعة الأدبية الرمزية مثالًا رائعًا على كيف يمكن لعدد محدود من
الكلمات أن يحمل معاني إنسانية عميقة، ويكشف عن مخاوف تتعلق بالإرهاق الروحي
الكامن وراء الابتسامات والمظاهر البريئة.
تبدأ القصة في مشهد يبدو بسيطًا ولكنه واقعي، حيث يمتلك
يونس متجرًا صغيرًا في نهاية الشارع، يبيع فيه السكر للناس. إلا أن الواقع سرعان
ما يفسح المجال للرمزية، فالسكر لم يعد مجرد سلعة استهلاكية، بل أصبح رمزًا
موضوعيًا لفكرة تخفيف مرارة الحياة. يونس يمنح الآخرين حلاوةً، بينما هو نفسه
يعاني من المرارة، وكأن هناك دائمًا مفارقة في الحياة بين ما يُقدّمه المرء وما
ينقصه.
من أبرز جوانب البنية الأدبية للنص غياب أي تصوير
لمعاناة البطل الرئيسي؛ بل على العكس، نجد استعارة رائعة من الكاتب: "احتراق
السكر". فالنار والدخان والرماد ترمز إلى الاحتراق، بينما الحلاوة
والبياض ترمز إلى السكر. ومن هنا، يخلق هذا التداخل بين المفاهيم تشبيهًا شعريًا
بليغًا؛ فما كان يُفترض أن يجلب السعادة يتحول إلى فساد داخلي. إنها الاستعارة
الأمثل للرجل الذي يُضحي بنفسه من أجل الآخرين حتى يحترق.
في المشهد الذي تنزلق فيه كيس السكر من يد يونس وتسقط
على الأرض لتُشبه "الرماد الأبيض"، يبلغ المبدع ذروة إبداعه. عند هذه
النقطة في السرد، يتحول المادي إلى رمزي. فالسكر لم يعد سكرًا، بل أصبح يُشبه
الرماد بعد حريقٍ مشتعلٍ منذ زمن. وأخيرًا، يستطيع يونس أن يرى نفسه دون أي قناع
أو عبارات مُنمقة.
يُعدّ استخدام المرآة وسيلةً لتحدّي الذات من قِبَل
الكاتبة. ففي انعكاس صورته، لا يرى يونس وجهًا مُرهَقًا فحسب، بل يرى أيضًا حياةً
مليئةً بالصبر والكبت. ويلي ذلك حادثة توبيخ والدته له، وهو حدثٌ ذو أثرٍ إنساني
ونفسي بالغ. في هذه اللحظة، لا تبدو الأم كغريبة عابرة، بل رمزًا لأقدم ذكرياته
وخلاصه الأخير - شخصٌ تستطيع كلماته أن تُظهر للعالم ما حاول إخفاءه عن نفسه:
ضحكته لأنه كان مُحطّمًا لدرجةٍ لا تسمح له بالنطق.
من الناحية النفسية، يُمكن القول إن بكاء يونس يُمثّل
نقطة تحوّل في القصة. فالقصة لا تنتهي بالموت أو الشفاء، بل بشيءٍ آخر مُختلف
تمامًا. هناك ندوبٌ لا تلتئم تمامًا، لكن الندوب تُغيّر من يحملها. لذا، يُمكن
القول إنه على الرغم من عودة يونس إلى ورشته، إلا أنه يعود إليها وقد تغيّر. لم
يعد مُتباهيًا، بل أصبح أكثر صدقًا مع نفسه، مُتخليًا عن عادته السابقة في قول
"الحياة مُرّة". بدلاً من ذلك، ينطق بعبارة بسيطة: "كم
تحتاج؟"
أما المقولة التي يعلقها على باب متجره: "الذين
يبدون بخير دائمًا... ليسوا بخير أصلًا". قد لا تكون المقولة طويلة بما يكفي،
لكنها تُلقي الضوء على حياة أناس يحاولون إخفاء أحزانهم وراء قناع من التماسك والهدوء.
من الواضح أن هذه النهاية تُظهر مدى نجاح الرمزية في النص
الأدبي. فرحيل يونس لا يُؤدي إلى إغلاق متجره، بل يبقى مُضاءً ومُمتلئًا بالسكر، وكأن
الرجل ما زال يعيش فيه. والأهم من ذلك، أن القرويين توقفوا عن شراء السكر بعد هذه الحادثة،
فلم يعودوا ينظرون إلى الأمور بسطحية.
في الختام، تُعدّ
قصة "احتراق السكر" المنشورة موقع "ديوان العرب"، السبت
٣٠ أيار (مايو) ٢٠٢٦ مزيجًا بارعًا من السرد والشعر، إلى جانب عناصر رمزية في علم النفس.
ينجح الكاتب في تحويل متجر صغير، وكيس سكر، وشخص عادي إلى رمز إنساني عظيم للألم الصامت،
رمز لأناس يُضفون حلاوة على الآخرين رغم معاناتهم الداخلية. الرسالة التي تنقلها القصة
هي أن أشد الحروب ضراوة لا تُشن خارجياً بل داخلياً، داخل الذات.
تعليقات
إرسال تعليق