الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة "لم يعد"

 الغياب كمصير: نقد لقصة صالح مهدي محمد القصيرة "لم يعد"

الغياب بوصفه مصيراً: قراءة نقدية في قصة «لم يعد» لصالح مهدي محمد

بقلم:

محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com



يمكن تعريف قصة "لم يعد" بأنها جزء من السرد الذي لا يرتكز على الحدث الخارجي بحد ذاته، بل على أثره في النفس البشرية. لا يروي الكاتب قصة رجل ذهب بحثًا عن عمل ولم يعد، بل يقدم تحليلًا نفسيًا عميقًا لظاهرة الغياب، وكيف يتحول هذا الرجل إلى محور تدور حوله حياة أسرة بأكملها.

 

منذ بداية السرد، ينجح الكاتب في خلق جوه النفسي الخاص. ففي البداية، تصف الفقرات الافتتاحية ليلة خريفية في المدينة، حيث يمتزج الظلام والغبار. علاوة على ذلك، يبدأ الكاتب قصته بوصف عناصر تخلق نوعًا من التطابق الموضوعي مع الحالة النفسية. وهذا يعني أن إرهاق المدينة، وصمت الغرفة المغلقة، والصمت المؤلم، ليست سوى مظاهر للفراغ الذي خلفه غياب الأب.

 

ويستحق العمل الثناء على غياب حضورٍ نشأ من غياب الأب الجسدي. إنه شخصية لا وجود لها إلا من خلال عيون الشخصيات، التي يرى الراوي نفسه من خلالها. ليس حاضرًا بصورة مادية، ولكنه حاضر من خلال الذاكرة، والحوار، والتوقع، والغضب. وهنا تكمن عبقرية الحبكة؛ فالغائب يصبح الشخصية الرئيسية.

 

يُبنى الطابع الدرامي للقصة تحديدًا على تعدد تصورات هذه الشخصية. الابن الأكبر لا يريد تقبّل موته ويظل يأمل في عودته، بينما يعتبره الثاني خائنًا. أما الثالث فيحاول فهم الحدث بالكتابة عنه. وهنا يقدم لنا الكاتب ثلاث شخصيات، ثلاثة أناس، ثلاثة تفسيرات لظاهرة واحدة.

 

يبدو الابن الثالث الشخصية الأكثر عمقًا من الناحية الفنية، فهو بدلًا من مجرد استحضار الماضي، يعيد بناءه. بدلًا من أن يسأل: "ماذا حدث؟" يسأل: "ماذا كان يمكن أن يحدث؟" وهكذا، تتجاوز القصة مجرد سرد الحقائق إلى الفلسفة. يسعى الكاتب هنا إلى تبرئة الأب من صورة اللوم على هجر عائلته، وتبرئة نفسه من قسوة الحكم.

 

ومن التفاصيل الجديرة بالذكر في النص دور الراوي نفسه. فهو يدخل القصة تدريجيًا، ولا يدرك الحقيقة كاملة إلا في نهايتها، مما يسمح له بالانسحاب بعد أن يستوعبها تمامًا. وبهذه الطريقة، تتشكل مسافة ما من خلال التأمل، إذ لا يُصدر الراوي أحكامًا على أحد، بل يستمع إلى نقاشاتهم حتى تتضح إنسانيتهم.

 

الحوار واقعي، حافل بالتوترات الداخلية. تُظهر لنا الصدامات المتكررة بين الأخوين اختلاف مواقفهما تجاه والدهما، ولكن على مستوى آخر، نرى الصراع بين الحاجة إلى التسامح وإغراء الإدانة. أعتقد أن أجمل ما في هذه الحوارات أنها لا تنتهي بانتصار طرف على آخر، بل بإدراك أن الحقيقة دائمًا أعقد من أن تُختزل في وجهة نظر واحدة.

 

تظهر الأم الصامتة كروح صامتة لهذه القصة. نادرًا ما تكون في قلب الأحداث، لكنها تمثل الروح العاطفية لهذه القصة. كل شيء يدور حول صمتها، ونظرتها إلى الباب، وتدخلها الأخير حين تطلب من ابنها أن "يكتب ما يفهمه". كل هذه الأمور تترك أثرًا عميقًا في نفس القارئ، رغم أن الكاتب لم يستخدم كلمات كثيرة لوصفها.

 

من الناحية اللغوية، يستخدم النص لغة شعرية غنية بالاستعارات والصور، مع الحفاظ على تماسك السرد. بعبارة أخرى، المنزل ليس مجرد مكان، بل هو كيان قادر على الأنين والتنفس بألم مكبوت في داخله. أما فيما يتعلق برمزية النص، فمن الواضح أن الكاتب يشير إلى شيء أعظم حين يتحدث عن غياب والده، فهو يجسد الإنسانية. بمعنى آخر، رحل الأب بسبب الفقر، ليصبح ضحية في سعيه وراء حياة أفضل. لذلك، فإن نهاية النص، كما يصفها الابن الثالث، لا تبرئ والده ولا تدينه، بل تضعه في موقف وسط.

 

تتجلى براعة هذا العمل الأدبي في جملةٍ تحمل جوهر رسالته: "الحقيقة بينكما، ليست في طرف واحد". لا تقتصر أهمية هذه الجملة على الأخوين فحسب، بل تعبّر عن المفهوم الفكري للعمل الأدبي برمته. إنها دعوةٌ للتوقف عن إصدار الأحكام المطلقة، والتفكير في الإنسان من منظور تعقيده وضعفه وظروفه.

 

في نهاية القصة، يغادر الراوي البيت، ويخفت صرير الباب. تُبرهن هذه النهاية على نضج العمل الأدبي، إذ لا تُشير إلى عودة الأب، ولا تُقدّم أي استنتاجاتٍ بشأن مصيره. ما أراد الكاتب إيصاله هو فكرة أن الألم لم يعد جرحًا حديثًا، بل أصبح جزءًا من تجربةٍ ماضيةٍ يمكن تحمّلها.

 

يتميز عمل "لم يعد" الأدبي بقدرته على تحويل قضيةٍ اجتماعيةٍ عاديةٍ إلى تجربةٍ إنسانيةٍ حميمة، مُثيرًا بذلك قضايا جوهريةً تتعلق بالفقد والانتظار والكرامة والحقيقة. هذه قصة تستند إلى الوعي العاطفي والرمزية، وبالتالي تصبح واحدة من تلك القصص التي لا يجب قراءتها من منظور الشخص المفقود، بل من منظور الخسارة التي يعاني منها الأشخاص الباقون. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

راكومين..غلة وجبة شهية لقتل الفئران

د.خالد أيمن نور: دكتوراه جراحة العظام والمفاصل