وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة "وجه بلا جهة" لصالح مهدي محمد
وجوه تاهت في أعماق الذات: تحليل نقدي لقصة "وجه بلا جهة" لصالح مهدي محمد
وجوه الذات المفقودة: قراءة نقدية
في قصة "وجه بلا جهة" لصالح مهدي محمد
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
تنتمي قصة "وجه بلا جهة" إلى أدب القصص
التأملية، القادرة على التحرر من قيود السرد التقليدي والغوص في أعماق النفس
البشرية، مُثيرَةً تساؤلات حول وجود الإنسان. لا يُمكن اعتبار هذا العمل الأدبي
قصةً بالمعنى المتعارف عليه، إذ لا يروي الكاتب حدثًا مُحددًا، ولا توجد حبكة
مُحكمة باستخدام عناصر درامية تتضمن صراعات خارجية. يتشكل هذا العالم من خلال
الصراع الداخلي الذي يدور في نفس الإنسان - بين ذاته الحقيقية وظله الخفي، بين
الكلمات والصمت.
يبدأ الكاتب سرده بوضعنا في عالم من الغموض، حيث لا شيء
واضح تمامًا، وما نُدركه يصبح موضع شك. يُعرّفنا على راوٍ لا ينظر إلى فراغ خارجي،
بل إلى فراغه الداخلي المُشبع بمعانٍ مُؤجلة إلى وقت لاحق. في الواقع، ينبض الفراغ
المذكور بالحياة، ليصبح فضاءً لآثار خطواتٍ اتُخذت منذ زمنٍ بعيد، ولصوتٍ أُسكت،
مانحًا النص بُعدًا نفسيًا عميقًا، ومحوّلًا بذلك المكان إلى انعكاسٍ للعالم
الداخلي للبطل. تدور القصة برمتها حول العلاقة الحوارية بين البطل
و"الآخر" الذي يكشف عن نفسه في النهاية كقرين البطل، وظله، ووجهٍ آخر
لذاته. مع ذلك، يمتنع الكاتب عن تفسير شخصيته، تاركًا لنا التساؤل حول هوية الآخر
الواقف أمام البطل - هل هو ضميره، أم لاوعيه، أم مجرد حقيقة مؤجلة؟
لعلّ ما يُميّز هذه القصة هو الاستخدام المكثف للرمزية
النفسية. فالقرين هنا لا يظهر كشخصية منفصلة، بل كبقايا الذات التي أُقصيت لقرون. يقول القرين: "أنا الذي كنت تتركه كلما اخترت أن تكون واضحاً"، يعني "أنا من أقصيته دائمًا، كلما احتجتَ إلى
الفهم". ثمة مفارقة هنا. أحيانًا، قد تتحول الحاجة إلى الوضوح الاجتماعي أو
الفكري إلى أداةٍ لعزل جوهر الذات. ومن هنا، يصبح الصراع بمثابة معركة بين الشخص
وانعكاس صورته التي سعى لعزلها طويلًا.
ومن الجدير بالذكر أيضًا براعة الكاتب في استخدام اللغة
الشعرية. فهو يُكثر من استخدام الاستعارات وتغيير المعاني: يتحدث عن الفراغ المفعم
بالحزن، وعن الصمت المفعم بالانكسار، وعن وجهٍ لا ينتمي لأحد. والخلاصة أن هذه
الأساليب الشعرية لا تُستخدم لأغراض أسلوبية، بل لأغراض بنيوية؛ فهي تُسهم في خلق جوٍّ
من الحيرة الوجودية، يعكس موضوع النص.
أما من الناحية الفنية، فإيقاع السرد بطيءٌ نسبيًا.
الأحداث قليلة، ويكاد ينعدم السرد المباشر، لكن التشويق يتصاعد باستمرار بفضل
الحوار والتأمل. ويمكن تشبيه هذه التقنية بأمواجٍ تتدفق تحت سطح ماءٍ هادئ؛ فالنص
يبدو هادئًا ظاهريًا، لكنه يزداد امتلاءً بالتساؤلات.
من حيث النضج، لا يُضاهي أي عمل آخر الطريقة التي حُسمت بها
النهاية في النص. لا ينتصر أي طرف على الآخر، بل يُكتشف ما كان معروفًا بالفعل، وهو
أن الانفصال لم يكن أمرًا جديدًا، بل ظاهرة من ظواهر العالم القديم كانت خفية قبل أن
تُصبح ظاهرة. تُضفي هذه النهاية تحديدًا بُعدًا فلسفيًا على القصة، وتُشير إلى أن أزمة
البشرية لا تكمن في وجود تناقض داخلي، بل في إنكار وجوده.
إذا كان من المهم تقييم النص، فينبغي التنويه إلى أن استخدام
الرمزية قد يجعل بعض أجزاء السرد مجردة للغاية بالنسبة لمن يُفضلون القصص التي تُروى
من خلال الأحداث والشخصيات الملموسة. مع ذلك، من وجهة نظر فنية، قد يبدو هذا التوجه
الكتابي مناسبًا.
ختامًا، تُعدّ "وجه بلا جهة" نصًا سرديًا
يُمكن تصنيفه نفسيًا وفلسفيًا، بدلًا من تصنيفه تقليديًا كقصة قصيرة. تُعتبر هذه القصة
عملًا فذًا في كشف متاهة هوية الذات. باستخدام الصور واللغة الشعرية، ينجح المؤلف في
جعل الصراع الفردي صراعًا عالميًا من خلال طرح سؤال أساسي يمس حياة كل شخص: كم عدد
الوجوه التي يحملها المرء في داخله، والتي يتم تأجيلها عمدًا حتى يفوت الأوان للهروب
من نفسه؟
تعليقات
إرسال تعليق