كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في مواجهة الحرب

 كشك الحكاية... الكتابة كوسيلة للخلاص والتواصل مع الحياة في مواجهة الحرب

كشك الحكاية... حين تصبح الكتابة خلاصًا من الحرب ووصلًا بالحياة

بقلم:

محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com



تنتمي قصة "كشك الحكاية" للكاتبة سعاد حسين الراعي إلى فئة القصص الإنسانية التي لا تكتفي بالحديث عن مصير البطل أو البطلة، بل تتخذ من معاناتهم وسيلةً للتأمل في قضايا الحياة والفقدان والصمود. ظاهريًا، هي حكاية حرب، لكنها في جوهرها حكاية قدرة الروح الإنسانية على التجدد بعد الكارثة، وكيف تُصبح الكلمة ترياقًا لليأس والوحدة والموت.

 

في السطور الأولى فقط، تنجح الكاتبة في الارتقاء بالكشك من مجرد كيان مادي إلى رمز يحمل دلالات نفسية وروحية عميقة. لم يعد هذا الكشك مجرد متجر صغير يبيع الصحف والمجلات، بل أصبح بمثابة وطن بديل وشرفة ينظر منها بطل القصة حوله. هذا هو المكان الذي استعاد فيه أديب عافيته بعد أن حطمته ذكريات الماضي. وهذا ما يجعل الكاتبة قادرة على تحويل الأشياء العادية إلى رموز ذات معانٍ أعمق من معناها الظاهر.

 

في الواقع، إنها شخصية رائعة، موصوفة بكل عيوبها ومزاياها. تخلق الكاتبة شخصية أديب التي لا تنتمي إلى فئة الأبطال الخارقين، بل إلى فئة أولئك الذين نجوا من حرب مروعة بساق مبتورة، وذكريات مؤلمة، وخسائر فادحة. ومع ذلك، تكمن الأهمية الفنية للشخصية في الصراع الداخلي بين الاستسلام للمعاناة والرغبة في إيجاد المعنى الحقيقي للحياة. ونتيجة لذلك، تبدو عملية تطور الشخصية في القصة أشبه بمسار روحي ونفسي، وليست مجرد سلسلة من الأحداث.

 

تستخدم الكاتبة أسلوبًا قويًا في تصوير الحرب، التي لا تُوصف كعمل عسكري أو سياسي بحت، بل كظاهرة مدمرة تحطم الأحلام الشخصية. صحيح أن الحرب سلبت أديب ساقه وشبابه، لكنها لم تسلبه إرادته القوية التي دفعته إلى الدراسة والكتابة. بهذه الطريقة، تتبلور إحدى الأفكار المحورية للقصة: انتصار الروحانية على الجسد، وانتصار الإرادة على الضعف.

 

يُصبح من الأهمية بمكان، بالنسبة للحبكة، إظهار حضور شخصية الأب في هذه القصة. فالأب هنا ليس مجرد شخصية ثانوية في ماضي البطل، بل هو عنصر أساسي في ثقافته وعالمه الداخلي. لقد غرس فيه حب القصص، وشجعه على الكتابة في سن مبكرة، ليصبح بذلك رمزًا للذاكرة الحية والجذور التي تمنح الإنسان القدرة على البقاء. وهذا يعني أن الحلم الذي يظهر فيه الأب في الجزء الأخير من القصة مُبرر تمامًا ببنية السرد.

 

أما فيما يتعلق بالخصائص الأدبية، فإن لغة النص تتسم بالشاعرية. فكثيرًا ما تستخدم الكاتبة الصور والاستعارات في جملها. ويمكن للقارئ أن يلمس مدى التأثير العاطفي العميق للوصف الذي كتبته. هناك العديد من العبارات التي تبدو شعرية، وليست نثرًا واقعيًا. يُضفي هذا الأسلوب جمالية خاصة على العمل الأدبي، وفي الوقت نفسه يجعل نبرته أكثر هدوءًا وتأملًا، نظرًا لما يحمله موضوع العمل من أبعاد روحية.

 

أما السمة البارزة الأخرى للنص، فتتمثل في مفهوم الازدواجية، كالعزلة والتواصل. فمن جهة، يسعى أديب في بداية القصة إلى العزلة في الكشك، محاولًا الابتعاد عن صخب العالم. لكنه في النهاية يفتح هذا المكان كوسيلة للتواصل مع الناس. وبهذا، تتحول الكتابة، التي كانت فعلًا شخصيًا، إلى فعل إنساني. أي أنه بدلًا من الكتابة عن الذات، ينبغي أن يستمع إلى الآخرين ويستوعب قصصهم ومشاكلهم وأحلامهم.

 

وتُعدّ الخاتمة من أجمل عناصر النص وأكثرها تماسكًا. فبداية قصة "كشك الحكاية" تعني إعادة إحياء مكان مهجور، لكنها ترمز أيضًا إلى ولادة جديدة للبطل. وتلخص الجملة الأخيرة جوهر القصة: "الإنسان لا يُهزم ما دام قادرًا على أن يمنح حياته معنى جديدًا" فالإنسان ينتصر حين يجد غاية لوجوده. وهكذا، يتحول الكشك إلى بوابةٍ لإنقاذ الذات، ويصبح سرد القصص أداةً لاستعادة الهوية الحقيقية.

 

وختامًا، تُعدّ "كشك الحكاية" من القصص التي تكشف عن نصٍّ إنسانيٍّ قائمٍ على سحر الذاكرة والكتابة وحبّ الأبوة، مُثبتةً أنَّ أيّ ضررٍ جسيمٍ قد يُؤثّر على الصحة الجسدية، لكنّه لا يُمكنه بأيّ حالٍ من الأحوال أن يُدمّر القوة الروحية. هي في جوهرها حكايةُ ولادةٍ جديدةٍ بعد الهزيمة، حيث يُعتبر سرد القصص من أثمن الوسائل لمواجهة الفراغ. في الواقع، تنتمي هذه القصة تحديدًا إلى الأعمال التي تُعطي الأولوية للجانب الإنساني على حساب تطورات الحبكة المُفاجئة، لذا فإنّ قيمتها الجوهرية تتحدّد بمستواها العاطفي.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

راكومين..غلة وجبة شهية لقتل الفئران

د.خالد أيمن نور: دكتوراه جراحة العظام والمفاصل