ولائم الموت البارد في الظلام: سرد اجتماعي

 ولائم الموت البارد في الظلام: سرد اجتماعي

المدينة التي تأكل أبناءها: قراءة نقدية في قصة "ولائم الموت البارد في الظلام"

بقلم:

محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com



يمكن تصنيف قصة "ولائم الموت البارد في الظلام" كسرد اجتماعي يتضمن عناصر من الحبكة البوليسية والرمزية. فبدلاً من التركيز على قصة حياة تاجر مخدرات، ينسج الكاتب حكاية متعددة الأوجه تكشف تعقيدات الفساد والتواطؤ، وكيف تحولت المدينة إلى وحش يلتهم جميع سكانها، سواء كانوا مجرمين أو رجال شرطة أو ضحايا أو محققين.

 

منذ البداية، يُقدَّم للقارئ صورة بوعزة شكردع، المنبوذ اجتماعياً، الذي وُلد تاجر مخدرات في أزقة المدينة المظلمة، ونشأ ليصبح إمبراطوراً يُسيطر على مؤسساتها الرئيسية. مع ذلك، لا يُعد بوعزة محور السرد، بل هو تجسيد للنظام الاجتماعي الفاسد برمته الذي أصبح جزءاً منه. بعبارة أخرى، مصيره المأساوي تعبير عن انتقال السلطة لا عن انتصارها.

 

تتميز القصة بتطور حبكتها المتسع نسبيًا، بدءًا من بروز سلطة البطل، مرورًا بتطور قوته، ثم المواجهة بينه وبين الشاب، الذي يجسده شخصية "البرق"، وصولًا إلى اتساع نطاق السرد ليشمل مصير العائلة بأكملها، وسقوط النظام الفاسد، وكشف المؤامرات الكبرى. هذا التطور التدريجي للحبكة يجعل القصة أشبه برواية قصيرة "النوفيلا"، حيث تتوالى الأحداث بسلاسة ودون انقطاع.

 

ومن أبرز مزايا النص قدرة الكاتب على تجسيد المدينة وجعلها شخصية سردية فريدة. فالمدينة ليست مجرد خلفية لما يحدث فيها، بل هي كيان يرى ويحكم ويعاقب. وكثيرًا ما يُشار إليها كقوة غامضة "تبتلع أبناءها" وتستبدلهم كما تستبدل وسائلها وأدواتها. وهكذا، تكتسب الحبكة رمزيتها، والصراع بين بوعزة والبرق ليس إلا صراعًا بين البشر وقوة أعظم منهم.

 

كما يتضح وجود بُعد نفسي قوي حتى في الأحداث التي سبقت وفاة بوعزة. فرغم نجاحه وسلطته، إلا أنه يعيش في خوف دائم وعزلة عن المجتمع. مسبحته القديمة، وحذاؤه البالي، وصوره المحفوظة في صندوق خشبي، كلها رموز لضمير حيّ لم يمت بعد. وقد أحسن الكاتب تصوير هذا الصراع الداخلي، بين صورته كحاج رحيم في نظر الناس، وصورة التاجر الذي يجني المال من مصائب الآخرين.

 

ويستحق النص الثناء على قدرته على استخدام الحوار كوسيلة للتعبير عن الفكر. لا يقتصر دور الحوار بين بوعزة والبرق قبل وقوع الجريمة على كونه عنصرًا دراميًا، بل يُظهر أيضًا صراعًا بين رؤيتين مختلفتين للعالم، وهما رؤية الجيل القديم المتسمة بالتقاليد والنفوذ، ورؤية الجيل الجديد المُمثلة بالتكنولوجيا واقتصاد العصر الرقمي. ومع ذلك، يؤكد الكاتب على أن طبيعة الجريمة واحدة، رغم اختلاف الأساليب.

 

على الصعيد اللغوي، يجدر التنويه إلى أسلوب السرد الصحفي الذي استخدمه الكاتب، فهو واضح وسلس، وإن لم يخلُ تمامًا من البلاغة، لا سيما في وصف الظلام والصمت والبرد. تتكرر كلمات مثل "الظلام" و"الصمت" و"البرد" و"الزقاق" في ثنايا القصة، مُرَسِّخةً دلالاتٍ تُناسب جوّ النص. إضافةً إلى ذلك، يُولي الكاتب اهتمامًا خاصًا للرمزية الكامنة في العنوان؛ فالعيد لا يُحتفل به هنا ليس من أجل الحياة، بل من أجل الموت، ومفهوما "البرد" و"الظلام" يُضفيان بُعدًا وجوديًا على القصة - العدم وانعدام الخلاص.

 

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن القصة لا تُركِّز على المجرمين الكبار، بل تعود إلى الضحايا في الصفحات الأخيرة - المدمنين والمنهكين والمُعدمين. يخلق هذا ارتباطًا عاطفيًا بشخصيات مثل أمين وياسين ولالة سعاد، مما يضفي على القصة طابعًا إنسانيًا ويمنع القارئ من الانشغال بصراع العصابات بدلًا من التركيز على المأساة الحقيقية.

 

أما بالنسبة للنهاية، فيمكن اعتبارها العنصر الأكثر إثارة للجدل والتفكير في القصة. يبدو أنه بعد كل الجهود المبذولة لإرساء العدالة والقضاء على الفساد من خلال إسقاط الفاسدين ومحاكمة المذنبين، ينجح الكاتب في إثارة ضجة بالإشارة إلى يوميات (مفكرة) أخرى تُشير إلى وجود صورة أكبر. لذلك، بدلًا من نهاية حاسمة، يُترك القارئ مع عدد من التساؤلات: هل من سبيل للخروج من براثن الفساد؟ هل كل ما سبق ذكره مجرد استبدال لشبكة فساد بأخرى؟

 

يمكن إبداء بعض الملاحظات حول جوانب مختلفة من أسلوب العمل، مثل كثرة الاستطرادات السردية، بالإضافة إلى بعض النهايات غير المكتملة التي تُقاطع نوعًا ما تسلسل الأحداث. علاوة على ذلك، يمكن النظر إلى بعض الشخصيات كرموز أكثر منها ككائنات نفسية مكتملة. ومع ذلك، لا تُقلل هذه الجوانب من أهمية العمل الأدبي؛ بل على العكس، تُشير إلى نطاق وعمق ما أراد المؤلف إيصاله.

 

في الختام، تُعدّ قصة "ولائم الموت البارد في الظلام" نصًا ذا دلالة رمزية عميقة، يحمل في طياته دلالات سياسية واجتماعية جادة. ففيها، يتضح جليًا كيف يعمل الفساد، ومدى هشاشة السلطة والنفوذ، والأهم من ذلك، أن المجرم الفرد ليس سوى قمة جبل جليدي معقد. يتناول هذا النص مدينة تتغير فيها الوجوه بقدر ما تتغير الأقنعة، وأشخاصًا يظنون أنهم يُسيطرون على اللعبة، بينما هم في الحقيقة مجرد قطع فيها. وهذا يعني أن هذا النص يدفعك في نهاية المطاف إلى طرح سؤال يبقى عالقًا في ذهن القارئ: ماذا يحدث للنظام عندما يسقط الطغاة؟ هل يسقطون هم أيضًا، أم أن الأمر يقتصر على تغيير الحراس؟

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

راكومين..غلة وجبة شهية لقتل الفئران

د.خالد أيمن نور: دكتوراه جراحة العظام والمفاصل