العائلة في مواجهة المؤسسة: خطأ طبي كرمز للفساد المجتمعي
العائلة في مواجهة المؤسسة: خطأ طبي كرمز للفساد المجتمعي
العائلة في مواجهة المؤسسة: حين يتحول الخطأ الطبي إلى مرآة
لفساد المجتمع
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
في قصة الحسان عشاق "حكاية العائلة التي هزت عرش
المصحة"، تم إرساء أساس متين، يتسم بالحساسية والواقعية الشديدة. تبدأ
القصة بحادث طبي ظاهري أدى إلى وفاة مريض، لكن سرعان ما يتضح أن الأمر يتجاوز ذلك
بكثير. يتحول إلى صراع حاد بين عائلة مفجوعة والمؤسسة التي تدير المستشفى. وفي النهاية،
تُصبح القصة تحليلًا للفساد الإداري والأخلاقي الممنهج المتجذر في المجتمع.
إن جو الدراما والتوتر الذي خلقه الكاتب منذ البداية
مؤثر للغاية. الصراخ، والحشود الغاضبة، والطبيب المختبئ في سيارته، وقوات الأمن
التي تحاول قمع ثورة شعبية - كل هذه العناصر تُشكل صورة مشحونة بالتوتر النفسي
والاجتماعي. يبدو أن الكاتب يعتمد بشكل كبير على تسارع الأحداث، مما يُمكّنه من
إشراك القارئ في قلب الحدث. ما يُميّز هذه القصة هو قدرة الكاتب على تجاوز إطار
الخطأ الطبي باعتباره حادثة منفردة، وعرضه كنتيجة لتاريخ من الإهمال والتواطؤ. لا
يُصوَّر الدكتور عادل معطوب كمجرم مطلق أو ضحية مطلقة، بل كشخصية معقدة تنتقل من
الشعور بالذنب والخوف إلى الانهيار النفسي. إن هروبه من المصحة ليس مجرد وسيلة
للبقاء، بل هو أيضاً اعتراف بانهيار العلاقة بين الطبيب والمجتمع. هنا، ينجح
الكاتب في إظهار مدى هشاشة مكانة المهنيين في المهن النبيلة عندما تنهار شرعيتهم.
مع ذلك، منح الكاتب شخصية الشيخ محمد أمزيل بُعداً
رمزياً يتجاوز كونه مجرد أب ثكلى. فهو يصبح ضمير المجتمع وصوتاً للأخلاق يُعارض
جميع المؤسسات. إن هدوءه وسط صخب المتظاهرين مثالٌ بارز على التناقض الفني، فبينما
تثور الجماهير، يُعلن الشيخ الحق. بينما تتصرف السلطات بالعنف والسياسة، يتصرف هو
بقوة سؤال أخلاقي جوهري: هل سينتصر العدل؟ ينجح الكاتب في إيصال فكرة أن المظلومين
أقوى من المؤسسات بفضل حقهم في الحقوق.
من الناحية الفنية، تستخدم الرواية لغة شعرية ثرية مليئة
بالاستعارات والرموز. تُوصف السيارة بأنها "نعش متحرك"، والمصحة بأنها
"بؤرة غضب شعبي"، ومركز الشرطة (المخفر) بأنه "جزيرة معزولة في
عالم موازٍ"، والوثائق بأنها "مسامير تُدق في نعش الأسطورة
المهنية". تضفي اللغة المستخدمة على القصة دلالات بصرية عميقة. من ناحية
أخرى، لا يُعد ثراء اللغة نعمة دائمًا، بل نقمة في بعض الأحيان، إذ تطغى اللغة
أحيانًا على الأحداث.
من الواضح أن هناك ميلاً واضحاً لتوسيع نطاق الاتهامات في
هذه القصة. فإذا اقتصر الأمر في البداية على خطأ الجراح، سرعان ما يتحول إلى فضيحة
تطال إدارة المستشفى، ثم إلى شبكة فساد واسعة تشمل الإدارة والتمريض والصيدلية وبعض
المسؤولين. هذه الطريقة هي التي تمنح النص بُعداً اجتماعياً وسياسياً، ولكنها في الوقت
نفسه تدفع الكاتب غالباً إلى استخدام الخطابة، إذ تتحول بعض الشخصيات إلى رموز للفساد
لا إلى أشخاص.
ثمة سمة أخرى للنص، وهي قدرة الكاتب على رسم صورة جماعية
مهيبة. فالحشود وحراس الأمن والمدعي العام والعاملون في المجال الطبي والأقارب يظهرون
في فضاء سردي واحد. هذا ما يجعل القصة تبدو أشبه بملحمة، أو رواية قصيرة وليست قصة
قصيرة. مع ذلك، يؤدي هذا التوسع إلى بعض النقص في حدة بعض المشاهد نتيجة التكرار المتعمد
لصور الاحتجاجات والغضب الشعبي.
وتنسجم هذه النهاية مع الفكرة العامة للكاتب. على الرغم من
سقوط المسؤولين عن الوضع وإغلاق المصحة، يشعر القارئ بأن العدالة لم تتحقق نهائيًا،
فالفساد متجذر بعمق، ودمعة الأب المفجوع لا تزال شاهدة على هذا الجرح في أجواء المدينة.
لذا، يختار الكاتب نهاية مفتوحة، مؤكدًا أن مفهوم العدالة لا يقتصر على الإجراءات القضائية
فحسب، بل يشمل مسارًا اجتماعيًا طويلًا ومعقدًا. وخلاصة القول، يمكن وصف "حكاية
العائلة التي هزت عرش المصحة" بأنها سرد شيق حافل بالاستياء الأخلاقي والوعي
الاجتماعي. إنها قصة فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسة. يُبدع الكاتب الحسان عشاق في
استخدام الصور البلاغية والدراما لطرح تساؤلات جادة حول قضايا المساءلة والعدالة والفساد.
ورغم وجود بعض المواضع التي تتسم فيها اللغة بالبلاغة المباشرة، إلا أن النص يتميز
بأسلوبه الفريد، وبقدرته التعبيرية العالية، وطرحه تساؤلات عميقة حول واقع الحياة.
تعليقات
إرسال تعليق